الأحد، 14 يونيو 2015

ليبان الصغير و ألف ليلة و ليلة (الليلة الثالثة و الأخيرة)


الليلة الثالثة و الأخيرة


بعد أن نجا ليبان و أهله من الألغام التي انفجرت على بعد أمتار قليلة تم استئناف القصف الجوي والهجوم من قبل الأوغاد. فعلم أهل ليبان وغيرهم من العائلات أن لا مفر لهم سوى أن يهربوا خارج البلاد حتى لا تطالهم أيدي جنود وأعوان الوالي الظالم. فكانت أمنيتهم أن يصلوا للحدود الإثيوبية حتى يصبحوا في أمان وبعد طريق طويل وعناء شديد تجاوزت العائلات الحدود ووصلوا لمدينة تسمى ( ديري داوا ) في الجانب الإثيوبي، حيث كان يخرج من هذه المدينة قطار يقل الفاريين إلى دولة جيبوتي المجاورة.
 و عندما ركبت عائلة ليبان القطار تم سؤال جميع الركاب عن أصولهم فقالت أم ليبان أنهم ينتمون إلى قبائل الشيخ إسحاق فنظر العسكري لها بنظرة مشمئزة وأمر بإنزال كل من ينتمى لهذه القبيلة من الركاب وتم حبس الجميع في سجن خاص جمعت فيه النساء ولم يكن من الأطفال سوى ليبان وإخوانه وأمر الباقون بالمغادرة على متن القطار.
و لما رأي العساكر من أمر الصغير ليبان و إخوته تسللت الرحمة إلى قلوبهم و أخذوا يغدقون عليهم بالأطعمة و خاصة المعكرونة اللذيذة التي كاد ليبان أن ينسى طعمها فسبحان الله الذي أنزل الرحمة في قلوب الجنود على الأطفال، و مع ذلك لم يأكل الأطفال كثيرا حيث كانت النساء تشاركن الأطفال الطعام فهم كما يبدوا لم يروا هذا النوع و الكم من الطعام منذ أمد بعيد فأكلوا وشبعوا و دعوا الله مخلصين أن تدوم بركة هؤلاء الأطفال وأن يطول مقامهم طالما بقوا في هذا السجن.
و كان من أمر السجان والعساكر إخراج المحابيس في النهار لكي يستنشقوا قليلاً من الهواء العليل فكان الصغير ليبان و إخوته يستغلون الوقت بلعب الألعاب الشعبية، و في مرة من المرات رآئهم راعي إبل بدوي فقال أين أمكم؟ فأشار ليبان على أمه فذهب الراعي إليها وقال لها : ما رأيك أن تعطيني ولدك هذا و هو يشير إلى ليبان وأنا أربيه لك ليصبح في عداد الرجال برعيه للجمال؟. فأنتم هنا ربما تموتون ولايفرج عنكم وأنا أكلم العساكر فهل ترضين بأن تعطيني هذا الصبي ؟
نظرت أم ليبان إليه مستغربة غير قادرة على الكلام ونادت أولادها و احتضنتهم ولم ترد على الراعي البدوي ففهم الرجل بالإشارة أن مناقشة الأمر بحد ذاته  مرفوض في قاموس الأمهات ، فكيف بأم قاست ومضت في طريق الأهوال من أجل حماية فلذات أكبادها ومضى الراعي في طريقه مع جماله و إبله من غير رجعة.

وبعد مضي عدة أيام أشفق الحراس على الأطفال وأمهم فأمروا بهم أن يسافروا في أقرب رحلة في القطار المتجه إلى جيبوتي. وفعلا أتى القطار واستبشرت أم ليبان بأن أيام الشقاء إلى زوال فهي لديها أقارب في جيبوتي و ستنزل في ضيافتهم حالما تصل هناك مع أبنائها.ومن الفرحة ركبت أم ليبان القطار على عجل ومعها ليبان وأخته الصغيرة و لم تنتبه أن ابنها البكر قد ذهب إلى بيت الخلاء لقضاء الحاجة و بدأ القطار بالحركة و لا يمكن إيقاف القطار إذا تحرك.
 و حينما خرج أخو ليبان ليلحق بأهله وجد القطار قد بدأ بالحركة فركض خلف القطار و رآءه أحد الرجال في المحطة وهو يركض فأسرع إلى حمله والجرى به ثم رماه في القطار، فجزاه الله خيرا حيث لم شمل الأسرة من بعد أن كادت تحل بهم العسرة.
واتجه القطار إلى دولة جيبوتي الشقيقة وعندما وصل هناك كان باستقبال عائلة ليبان أقارب لهم في جيبوتي فأكرموهم أحسن إكرام ، وكان لدى هذه العائلة الجيبوتية ابنتان توأمان اسمهما نفيسة ونعيمة فكانت نفيسة تدلع ليبان وتأتي له بالحلوى كل يوم بينما نعيمة كانت تهتم بأخي ليبان وكانت التوأمان تتنافسان في إرضاء الصغيرين وكان المستفيد الأول ليبان وأخوه حيث شبعوا من الحلوى الجيبوتية وأنواع الحلوى الأخرى.
مضت الأيام في جيبوتي و الصغير ليبان يشتكى من حرارة الجو ورطوبته فهو لم يعتد على هذا النوع من الأجواء حيث يتطلب الأمر تغيير الملابس يوميا لإبتلالها برطوبة البحر فكان الخروج من المنزل بحد ذاته أمرا صعبا في النهار فكان ليبان يتسلى بمشاهدة التلفاز العجيب الذي كان ينقل مباريات لكرة السلة الأمريكية.
واستمر ليبان وأخوه بالمشاغبة حتى في جيبوتي فكانوا في الليل يجمعون الزجاجات الفارغة ويصعدون إلى السطح ومن ثم يرمون الزجاج على المارة لإخافتهم والضحك عليهم من أعلى العمارة. ولن ينسى ليبان اليوم الذي ذهبوا فيه في نزهة بحرية للسباحة في شاطئ جيبوتي فأخذ يلعب مع أخيه وفجأة ومن حيث لا يدري ليبان قبض أخوه على رأسه فأدخله تحت الماء وحينما حاول ليبان فتح عينيه تحت الماء تسلل الملح إليهما فجلس فترة طويلة يفرك عينيه ألما ومنذ ذلك اليوم وليبان لايحب البحار ويتعامل مع الشواطئ بكل حذر وانتباه.
 و في ليلة من الليالي رأى ليبان الصغير في منامه أنه مع جدته وخالته في غرفة بيتهم في هرجيسا و رأى باب الغرفة قد تغير وأصبح نافذة إلى عالم آخر وخرجت منه عجوز شمطاء تريد قتل الصغير ليبان ، و لكن جدته أمسكت به ورمته في ذاك العالم الآخر وهي تقول له اهرب من تلك العجوز. فدخل ليبان في ذاك العالم الأخر وبدأ يرى حوله من الخراب ما الله به عليم و العجوز الشمطاء تلحق به لتقتله و قد اقتربت منه و بيدها سكين حاد.
ليبان يهرب وهي تقترب وهكذا دواليك حتى استطاعت أن تجرحه في ذراعه بسكينها ولكن الإصابة لم تكن مميتة. فاختبئ ليبان في منزل مهجور وتربص بالعجوز و كان في وسط البيت المهجور حفرةُ كبيرة فدخلت العجوز فأتى ليبان من ورائها و دفعها ا إلى الحفرة فوقعت شر وقعة، وهي تستنجد به ليخرجها فنادى ليبان جموعاً من الناس وبدأو في رمي العجوز بالحجارة والزجاج حتى ماتت. عندها استيقظ ليبان من المنام و أدرك أنه في مأمن من الحرب و أنها انتهت على الأقل بالنسبة له.
وبعد عدة أشهر صدرت الفيزا إلى السعودية حيث كان يعمل أبو ليبان منتظراً عائلته بشغف كبير ، فاستقبلهم في المطار و أصبح مسرورا وبالخير مغمورا. وحمد الله على أن سلم له أولاده وأمهم فخلع على أولاده بخلعةٍ سنية جليلة ، وأقيمت الإحتفالات ودقت الطبول وزمرت الزمور وكانت ليلة عظيمة لا تنسى من أيام الله الخالدة. فأقاموا بعدها في نعمة و سرور و لذة و حبور فسبحان الله الذي لا يفنيه تداول الأوقات ولا يعتريه شي من التغييرات ولا يشغله حال عن حال و تفرد بصفات الكمال. و الصلاة والسلام على إمام حضرته و خيرته من خليقته سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم سيد الأنام و على آله الكرام أفضل الصلاة وأتم التسليم.


تمت

السبت، 13 يونيو 2015

ليبان الصغير و ألف ليلة و ليلة (الليلة الثانية)


الليلة الثانية



كما ذكرنا في الليلة الأولى بأن أهل ليبان استعدوا للهرب والسفر مع بضع عائلات أخرى ومع إشراقة الفجر تحركت العوائل أفواجا صغيرة هربا من جحيم القصف العشوائي الغاشم و الجميع يحمل ما يستطيع من المؤونة والكساء. وكان ليبان الصغير متحمسا للسفر فهو لم يغادر هرجيسا قط، و كان يلبس قميصاً وبنطالاً قصيراً وكان حافي القدميين لا يأبه بحرارة الشمس أو ألم الأشواك الممتدة على طول الطريق.

وكان من نصيب ليبان أن يحمل ( العو ) وهو البساط الذي يجلس عليه وكان الصغير ليبان نشيطا في بداية الرحلة و يسابق أهله ويحثهم على المضى قدماً. وكانت وجهة النازحين مدينة صغيرة تعرف ب ( دلعد ) ، فتارة يمشون على الأقدام وتارة يجدون شاحناتٍ تقلهم على الطريق. يقول ليبان واصفا رحلة الفرار: في النهار كنا نسمع أصوات الصواريخ والطائرات تحلق فوق رؤوسنا تتصيد للشيوخ والأطفال والنساء فكانت كلما اقتربت طائرة انبطحنا أرضاً بلا حراك كأننا أموات حتي لا يطالنا القصف  وفعلا كانت تنجح هذه الحيلة معظم الأحيان.


و طوال تلك اللحظات و الأيام من الخوف والهلع كان ليبان الصغير يرى أناساً ممددين على الأرض فيسأل أمه بكل برآءة الطفولة : أماه لماذا لا ينام هؤلاء الناس في بيوتهم ؟ لماذا ينامون في الشوارع والبراري ؟ فلا تعرف أم ليبان بماذا تجيب على تساؤلات الصبي الصغير ولا كيف تخفف من حيرته تجاه مايراه من كوارث و مجازر إنسانية .

 كان اللاجئون ينامون وسقفهم السماء وبساطهم الأرض وكان ليبان الصغير ينام على صوت الذئاب والضباع في حين ينام أطفال آخرون في الطرف الآخر من الكرة الأرضية على صوت الموسيقى الهادئة وعلى القصص التي تحكي لهم من قبل آبائهم وأمهاتهم من قبيل ال ( Fairy Tales) . مع كل هذا ولله الحمد لم يمر يوم شعر فيه ليبان وأهله بالجوع أو لم يجدوا طعاما وكان أهل البادية يضيفونهم بما يملكون و كان طعام اللاجئين اللحوح و العدس، العدس الذي لم يكن أهل هرجيسا يأكلونه من قبل وكانوا يطعمونه للماعز ولكنه كان طعاما لذيذا في وقت العسرة.

و مع استمرار المشي لمسافات طويلة تعب ليبان الصغير وكانت جدته تمشي بجانبه وهي تحمل أخته الصغيرة على ظهرها. فقال لها ليبان : جدتي مارأيك أن تحمليني ولو لمدة قليلة فقد تعبت ؟ وكانت الجدة فطنة و أجابت على الفور : ولدي ليبان يشتكي ! (وي تولاي) إذاً سألقي بأختك تحت هذه الشجرة ونتركها تعال أحملك بدلاً عنها، عندها أحس ليبان الصغير بما ترمي إليه الجدة. فقال : ياجدتي هذه أختي وهي صغيرة وهي أولى مني بالرعاية سأمشي وأحتمل عناء الطريق.

وفي أحد الأيام بينما كان يتمشى ليبان مع الصبية يجمعون الحطب لإشعال النار إذ بمجموعة من الحيوانات يشاهدها ليبان للمرة الأولى تجرى ورائهم فهرب ليبان الصغير مع أقرانه باتجاه أهله خوفاً وطلبا للحماية منها. وعندما وصل الصبية إلى أهاليهم وظنوا أنهم في أمان تفاجأوا أن الحيوانات لحقتهم إلى حيث أهاليهم فاستنجد الصبية بأهلهم فضحك الكبار على الصغار وقالوا لهم : لاتخافوا هذه مجرد خرفان صومالية ذو رؤوس سوداء تعرف ب( البربري ) عندها اطمئن الصبية وعرفوا أنه حيوان أليف لا يعض ولا يقتل.

وكان من هذه الحرب الشعواء أن دمرت عشرات الالآف من البيوت في المدينة السعيدة هرجيسا وقتلت ما يقارب المائة ألف من أهلها وحينما كان العالم يسأل الطاغية لماذا تقصف الشعب المسكين كان يقول دعوهم إنهم يهود الصومال وأنا أطهر الأرض منهم. و كان الأطفال الصغار بما فيهم ليبان ينشدون نشيدا نكاية بجنود الطاغية وكان الأطفال يقولون ويرددون (فقشي فوقوشي فطتا قبوبدي) وكان الأطفال سعيدون بترديد هذه العبارة صباح مساء .

ولحسن الحظ وجدت بعض العوائل الهاربة شاحنتين كبيرتين فعرض سائقا الشاحنتين توصيل العوائل في طريقهم لكي يرتاحوا ولو قليلا من عناء السفر على الأقدام. فتوزعت العائلات بين الشاحنتين وكان من نصيب عائلة ليبان أن ركبوا الشاحنة الأولى ومضت الشاحنتان في طريق معلوم رسمته المقاومة حتى لايقعوا في فخ الألغام التي كانت منتشرة في تلك الأيام بأمر من الحاكم الظالم سياد بري.

وكانت الشاحنتان متباعدتين وذلك تحسباً من أن يلحظهم العدو، ولسوء حظ الشاحنة الثانية ولإنقضاء أجل من فيها استعجل السائق وخرج عن المسارالمحدد فانفجرت بهم الألغام فقتل جميع من كان في الشاحنة في الحال و اهتزت الأرض من تحت الشاحنة التي تقل ليبان وأهله حتى كادت أم ليبان أن تسقط من الشاحنة ولكن أيادي جدة ليبان وبعض النساء تلقفت أم ليبان و أعادتها إلى الشاحنة فمضى البقية الباقية من اللاجئين في سبيلهم مذهولين مذعورين حيث ترحموا على الأموات وحمدوا الله على أن أخرجهم سالمين و لو إلى حين.

و أدرك ليبان الصباح فسكت عن الكلام المباح.


يتبع

الجمعة، 12 يونيو 2015

ليبان الصغير و ألف ليلة و ليلة




مقدمة:

منذ الصغر و أنا أعشق قراءة القصص و خصوصا تلك القديمة و التي تأخذني بعيداً في عالم الخيال و كنت أقرأ هذه القصص بشراهة منقطعة النظير و تحديدا في مرحلة المتوسطة حيث عمرى حينها لم يكن يتجاوز ال 13 سنة. كنت أجمع مال الفسحة حتى أشترى كتابا و أكتفى بأكل اللحوح على الصباح الباكر و الوالد كان يهديني بين الفينة و الأخرى كتباً، و من أجمل هداياه التي أشكره عليها مجموعة قصص ألف ليلة و ليلة حيث أهداني إياها في عيد ميلادي ال 14 لا أعلم هل هي مصادفة أم أنني حاولت إقناع نفسي بأنني حصلت على هدية عيد ميلاد لأول مرة في حياتي.
ولشدة تأثري بقصص ألف ليلة و ليلة و إعجابي الشديد بطريقة السرد قمت قبل عشرة سنوات تقريباً  بمحاولة لكتابة و صياغة مغامراتي في الطفولة عندما كنت أهرب من جحيم الحرب التي شنها الطاغية سياد بري على الشعب الأعزل في شمال الصومال (صوماليلاند) خاصة هرجيسا مسقط رأسي و مرتع الطفولة. كنت حينها مجرد طفل لا يتعدى الخامسة من عمره و لكن ذاكرتي حملت الكثير من الذكريات التي لا تمحى بسهولة.
 سأسرد لكم على أجزاء قصة حقيقية حدثت معي كما حدثت مع الالآف من الأطفال في جميع أرجاء شمال الصومال خلال تلك الحرب. فقد كنت شاهد عيان و كنت من اللاجئين الذين هربوا بحياتهم، فررت و أنا حافي القدمين لا أملك من الدنيا سوى قميص واحد و بنطال قصير و أمل بالله كبير بأن ينجينا من براثن الجيش الذي غدر بالشعب الذي يفترض أن يحميه و خان القسم بحماية الأرض و العرض. فلنعد بعقارب الساعة إلى الوراء و لنترك بطل القصة الذي اسميته ليبان الصغير يحكي لنا القصة و يروي لنا الرواية من وجهة نظره.

الليلة الأولى


كان يا ماكان فى قديم الزمان و سالف العصر والأوان كانت هناك مدينة سعيدة اسمها هرجيسا يسودها الحب والوئام .كان الكل يعرف الكل الكبير يعطف على الصغير والصغير يرحم الكبير، وفي وسط هذه الأجواء الجميلة ولد صبي صغير اتفق على تسميته ليبان بعد شد وجذب. ولد و ترعرع في المدينة السعيدة بعيداً عن أبيه الذي كان يعمل فى الخليج لتأمين لقمة العيش الكريم لأفراد أسرته كان ترتيب ليبان الفتي الثاني للعائلة الصغيرة.
كان ليبان فتى مشاغبا منذ الصغر حيث كان يذهب إلى الملعامد ليدرس القرآن والحروف الهجائية وهو يحمل في يديه الصغيرتين مايعرف ب ال ( Qambadh ) وهو كرسي صغير له أربعة قوائم يصنع من جلد الماعز . فتارة يهرب ليبان من الملعامد لأنه لم يحفظ وتارة أخرى يتقاتل مع صبي آخر على كرسيه الصغير، كان يحب اللعب و اللهو مع أخيه الأكبر محمد و دائما ما يتسلقان الشجرة الكبيرة في فناء المنزل بخفة ورشاقة. بينما يخرجان في العصر للعب مع أقرانهما و جيرانهما ثم يعودان منهكين بعد المغرب للإستماع إلى قصص جدتهما أو أمهما بعضها جميلة مثل قصص الثعلب و السلحفاة و بعضها مخيفة كقصة السفاحة صاحبة الأذن الطويلة (Dhag Dheer ) التي تحب أكل لحم الأطفال الصغار.
كان ليبان الصغير يذهب في كل يوم جمعة إلى بيت جده لكي يأكل معه المعكرونة الشهية مع السلطة و الموز واللحم اللذيذ ، وكان يحب جده – رحمه الله - كثيرا لأنه كان يداعبه باستمرار ويضحكه بنغزه في أماكن معينة تضحك الأطفال كثيرا. كانت الحياة جميلة إلى أن أتى يوم قام فيه ليبان و أهله من النوم فزعين على صدى طرقات قوية على الباب أيقضت جميع من فى المنزل. وعندما فتحت أم ليبان الباب فإذا هم عساكر الدولة الصومالية (الفقش كما كانوا يلقبون) يبحثون عن الثوار من أهالي الشمال وكان ذلك فى أوائل عام 1988 م ففتشوا فى المنزل ولم يجدوا أحدا فقالوا لنا اذا وجدتم الثوار فأبلغوا عنهم وإلا سترون الويل والثبور.
تدهورت الأوضاع بعد فترة واشتدت وطأة الحرب وأصبحت الحكومة الصومالية ممثلة بمجرميها غاني و مورقن تقصف المدينة قصفاً عشوائياً، بعدما عجزت عن القبض على رجال المقاومة فلم تجد سوى المدنيين لكي تسقيهم من نيرانها لا فرق لديها إن وقع القصف على أطفال أو نساء أو شيوخ فهدفهم إفناء المدينة و سحق أهلها دون تمييز. مع كل هذا كانت أم ليبان وجدته تعتقدان أن الأمور بإمكانها أن تتحسن و أنه لاداعي للفرار من المدينة التى تحولت من مدينة السعادة والهدوء إلى مدينة الجحيم والظلام .
كان ليبان الصغير حينما يخرج إلى فناء المنزل يرى أنواع الصواريخ المختلفة مسرعة وهي تمر من فوق منزلهم الصغير. بالطبع هي ليست ألعاباً نارية كما تعود معظم الأطفال مشاهدتها في الأعياد و الأفراح، لكنها ألعاب صاروخية مميتة تحرق الأخضر و اليابس. وكلما رأت خالة ليبان أنه يخرج للفناء للنظر إلى الصواريخ تزجره وتأخذ بيده لكي تدخله الى المنزل وتقول له : اختبئ تحت السرير لتتقي القصف. فيجيبها الصغير ليبان بشجاعة : وماذا ينفعنا السرير إذا وقع الصاروخ على الغرفة ؟ سنموت في كلتا الحالتين و كأن لسان حاله يقول فلنمت واقفين شامخين إن كان الموت مصيرنا. ثم يخرج ليبان إلى فناء المنزل مرةً أخرى كاشفا عن صدره وحاسراً عن قميصه و هو يخاطب الصواريخ التي تتهاطل من السماء بتحدى مثير للعجب: تعالي أيتها الصواريخ اضربي صدري فلست خائفاً منك.
كان ليبان رغم صغر سنه متضايقاً لبقائه مع النساء و الأطفال فكان يطلب من خاله و أعمامه أن يعطى سلاحاً للقتال كبقية الرجال. وكان الجميع يضحك على طلبه فيزداد حنقاً و لم يهون عليه سوى قول خاله له: إننا نعتمد عليك لحماية أمك و جدتك و إخوتك. أما أبو ليبان فقد كان يتواجد في الخليج أثناء فترة الحرب و كان في حالة من القلق الشديد فهو لا يعلم إلى ما ستؤول إليه الأحوال ولم يكن أمامه حيلة سوى الدعاء بنجاة أهله و أبنائه.
لم تفكر عائلة ليبان بالنزوح إلا حينما وقع صاروخ على منزل الجيران وقتل خمسة من أطفالهم و لم ينجو سوى الأم و ابنها الرضيع خلال زيارتهما إلى منزل أهل ليبان فخرج الجميع لمحاولة إنقاذ الأطفال ،لكن للأسف لم يتبق منهم سوى الأشلاء المتبعثرة تحت الركام حينها صرخت أمهم بشدة و أصيبت بالجنون لاحقا حزنا على فلذات أكبادها و احتضنت جدة ليبان حفيدها محاولة أن تحميه من النظر إلى أشلاء أطفال الجيران الذين اعتاد اللعب معهم.
حينها تيقنت أم ليبان أن لا مقام لهم في هذه المدينة وأنه يجب أن يهاجروا مع المهاجرين هربا بحياتهم . وفي تلك الليلة جمعت العائلة الأغراض والمؤن الضرورية في رحلتهم الطويلة، و قرر أعمام ليبان وجده وخاله البقاء للمقاومة بينما تذهب النساء والأطفال خارج المدينة في طريق رسمه لهم أبطال المقاومة للهروب من النيران و الألغام الأرضية المنتشرة في كل مكان. وحينما اقتربت شمس الفجر من البزوغ كانت عائلة ليبان وبضع عوائل أخرى على أهبة الإستعداد للهجرة تاركين ورائهم مدينتهم و موتاهم وهم لايعلمون ما قد يواجههم من مخاطر وأهوال .

 وأدرك ليبان الصباح فسكت عن الكلام المباح .

يتبع